أحمد بن سهل البلخي

394

مصالح الأبدان والأنفس

الغذاء على تلك الهيئة من رداءة الصنعة . وأولى الطعام بأن يستعمل التنقية في صنعته الخبز ؛ فإنّه أصل الغذاء ، والشيء الذي يحتاج إلى إدمان أكله وتناوله في أوقات ، فمتى عرض فيه عارض حلّل من جوهر الحنطة أو تنقيته أو عجنه أو خبزه ، أدّى ذلك - على امتداد الأيّام - إلى ضرر عظيم ؛ وذلك لأنّه إذا اجتمع من وجوه ذلك الضرر البعض إلى البعض ، كثر مقداره في آخر الأمر ، وبئس مكروهه . وأحقّ ما ذكرناه بالتفقّد من أمر الخبز إنضاجه ؛ فإنّه إذا وقع فيه تقصير ، خيف أن يتولّد منه أدواء من البدن خبيثة ، والخبز الخشكار « 1 » الذي لا يبالغ في نخل دقيقه أكثر حرارة ، وأسرع انهضاما ، لمكان الحرارة التي في نخالته . وأمّا الحوّارى « 2 » فإنّه أبطأ انهضاما ، وأثقل على القوّة الهاضمة ، إلا أنّه إذا انهضم يكون أكثر غذاء ، ويكون الغذاء الذي يتولّد منه أفضل في جوهره ؛ لأنّه إنّما / يتولّد من لباب الحنطة الذي هو ألطف أجزائها ، وأجودها مزاجا ، فينبغي ألا يتناول من الخبز إلا المستحكم النضج ؛ فإنّ الآفة في كلّ ما يفوته النضج التامّ منه عظيمة على البدن . ثمّ يجب بعد ألا يتناوله حارّا جدّا ولا جافّا قد ذهب لينه ، بل يتناول منه ما كان ليّنا مخبوزا ليومه أو أمسه ؛ فإنّ الحارّ الشديد الحرارة منه بمنزلة الشيء الذي لم يتمّ إدراكه وبلوغه ، والجافّ منه الشديد الجفوف بمنزلة الشيء القديد الذي ذهب أكثر ما فيه من الرطوبة . وإذا وقع الخبز الحارّ في المعدة وشرب الماء عليه ، حدث به من الانتفاخ والاستحالة إلى شبه صورة العجين مثل ما يعرض منه إذا ألقي في ماء خبز حارّ ،

--> ( 1 ) الخشكار : الخبز الأسود غير النقي ، فارسي ( المعجم الوسيط خ ش ك ر 1 / 236 ) . ( 2 ) الحوّارى : بضم الحاء وشد الواو وفتح الراء : الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق ، وكلّ ما حوّر ؛ أي : بيّض من طعام ( القاموس المحيط ح ور 1 / 540 ) .